الشيخ محمد هادي معرفة
517
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
لا تشعرون ، غاية الأمر أن تتوقّفوا في أمره حتّى يتبيّن لكم حقيقته أو بطلانه ، فلا تنهوا الناس عنه حتّى يظهر لكم حقيقة الأمر فيه . بل نقول : صراحة الأخبار الواردة في الطرفين لا تبقي اشتباها في هذا الأمر ، فإن كنتم في شكّ في أمرها فاسألوا أهل الذكر حتّى تعلموا ما هو الحقّ . وكيف يمكن أن يقبل منكم أنّكم محتاطون وأكثركم يمنع التغنّي في الأعراس مع ورود النصّ على شريعته هناك ، ويعاضده العقل أيضا ، من جملته حدوث ميل العزّاب إلى النكاح المرغب فيه المؤدّي إلى حفظ النوع والنسب والتجنّب عن السفاح والعطب . وأمّا ماجوّزه بعض الفقهاء فيها فقط فهو تخصيص من غير مخصّص بورود الأحاديث في شريعته في غيرها أيضا ، ولو فرضنا عدم النصّ على شرعيته في غيرها لايتّجه التخصيص المذكور لأنّ خصوص السبب لايخصّص المسبّب « 1 » ولو تمسّك بالوقوف على موضع النصّ والاقتصار عليه . قلنا : الوقوف والاقتصار إنّما يجوز إذا كان المنصوص عليه مخالفا لأصل من الأصول ، وقد عرفت خلافه . وبالجملة ، أمثال هذه الجسارات تشريع محض وتحريم لما أصّله اللّه . ونبيّنا صلى الله عليه وآله مع جلالة شأنه وكونه سيّد الرسل وحبيب إله العالمين ، لمّا حرّم على نفسه ما حرّم لما جرى بينه وبين بعض أزواجه شدّد اللّه عليه النكير بقوله عزّ من قائل « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ » الآية « 2 » فكيف يكون معاملته مع من حرّم على غيره ما أحلّ اللّه له متقوّلًا عليه تعالى ، وقد قال عزّ من قائل : « وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ . لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ . فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ » « 3 » فإذا كانت معاملته تعالى مع نبيّه المعلّى على هذا التقدير هكذا فما ظنّك بمعاملته مع غيره . وهذا ابنطاووس مع علوّ قدره في سائر العلوم لاسيّما العلوم النقلية لمّا تدبّر في هذه الآية سلك مسلك الاحتياط واجتنب عن التصنيف في علم الفقه لئلّا يكون من المتقوّلين على
--> ( 1 ) - في هذه العبارة إيماء لطيف لا يخفى على متتبّعي علم المعاني المؤلف . ( 2 ) - التحريم 1 : 66 . ( 3 ) - الحاقّة 44 : 69 - 47 .